الوضع في معظم أرجاء العراق من أخطر الأوضاع في العالم:

 

 

بغداد/يقين/ بعد خمس سنوات على اندلاع الحرب واحتلال العراق ظل الوضع في معظم أرجاء البلاد من أخطر الأوضاع في العالم، حسب ما ورد في تقرير أصدرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر اليوم. فملايين العراقيين محرومون بسبب النزاع من الماء النقي الكافي والنظافة والرعاية الصحية. ومما زاد الأزمة الحالية تفاقماً الآثار المستمرة الناجمة عن النزاعات المسلحة السابقة وسنوات العقوبات.

 

قالت السيدة "بياتريس ميجيفان روغو"، رئيسة العمليات للشرق الأوسط وشمال أفريقيا:"إن تحسن الأمن في بعض أجزاء العراق لا ينبغي أن يصرف الأنظار عن استمرار محنة ملايين الأشخاص الذين تم التخلي عنهم. وهؤلاء هم نازحون وعائلات لاجئة والعائدون إلى بيوتهم، من الأطفال وكبار السن والمعاقين والأسر التي تعيلها النساء وأسر المحتجزين."

 

وبالرغم من الادعاء في تحسن الوضع الأمني في بعض أنحاء البلاد مازال العراقيون يُقتلون أو يصابون يومياً بسبب القتال والهجمات. وغالباً ما يبستهدف المدنيون عن قصد بتجاهل تام لقواعد القانون الدولي الإنساني. ففي الكثير من العائلات هناك على الأقل فرد واحد مريض أو جريح أو مفقود أو محتجز أو اضطر إلى الفرار للعيش بعيداً عن بيته.

 

هذا ومازالت الرعاية الصحية وخدمات الماء والصرف الصحي والإمدادات الكهربائية غير ملائمة إلى حد كبير. فالمستشفيات تفتقر إلى الطواقم المؤهلة والأدوية الأساسية، وتواجه بالتالي صعوبات في تقديم الرعاية المناسبة للجرحى.تفتقر الكثير من مرافق الرعاية الصحية للصيانة الملائمة وغالباً ما تكون الرعاية التي تقدمها باهظة جداً على العراقيين العاديين.

 

لقد استمر الإمداد بالماء في التدهور خلال العام الماضي، فاضطر ملايين الناس إلى الاعتماد على إمدادات غير كافية من الماء ذي النوعية السيئة، بسبب قلة الصيانة والمهندسين التي تعاني منها نظم الماء والصرف الصحي.

 

 

وقالت السيدة "ميجيفان روغو": لتفادي أزمة أسوأ لابد من الاهتمام بالاحتياجات اليومية للعراقيين. فالكل ينبغي أن يتلقى الرعاية الطبية والكهرباء والماء النقي والصحة بانتظام." فقد ناشدت اللجنة الدولية أيضاً المشاركين في النزاع ومَن يمارسون نفوذاً عليهم بذل ما في وسعهم لضمان عدم إلحاق الأذى بالمدنيين والطواقم والمرافق الطبية. وهذا واجب ينطبق بموجب القانون الدولي الإنساني على أطراف النزاع المسلح كافة، سواء كانت دولاً أو من غير الدول.

 

نص التقرير:

 

العراق: أزمة إنسانية لا تلين

 

 

بعد خمس سنوات على اندلاع الحرب في العراق ظل الوضع الإنساني في معظم أنحاء البلاد من بين الأوضاع الأكثر خطورة في العالم. وقد حرم النزاع ملايين العراقيين من الحصول على ما يكفي من الماء والنظافة والرعاية الصحية. ومما زاد الأزمة الحالية تفاقماً هو استمرار الآثار الناجمة عن النزاعات المسلحة السابقة وسنوات العقوبات الاقتصادية.

 

ورغم التحسن الأمني المحدود في بعض المناطق ما زال العنف المسلح يخلف أثراً كارثياً.   ومازال المدنيون يذهبون ضحية العمليات القتالية. أما الجرحى فلا يتلقون في غالب الأحيان ما يكفي من الرعاية الطبية. ويضطر ملايين الناس إلى الاعتماد على إمدادات قليلة من الماء ذي الجودة الرديئة لأن نظم الماء والصرف الصحي تعاني من قلة الصيانة والمهندسين.

 

العديد من العائلات تضم أفراداً اضطروا بسبب النزاع إلى الفرار من بيوتهم تاركين وراءهم ذويهم يصارعون يومياً من أجل كسب لقمة العيش. وزادت محنتهم خطورة بسبب الأزمة الاقتصادية المستمرة وارتفاع البطالة.

 

ولتفادي أزمة أسوأ لابد من تكثيف الجهود لتلبية احتياجات العراقيين اليومية، لأن الأولوية تقضي بتوفير الرعاية الصحية والكهرباء والماء النقي والصحة بانتظام لكل عراقي سواء كان رجلا أو امرأة أو طفلاً. علاوة على هذا يجب على كل المشاركين في النزاع وأولئك الذين يمارسون نفوذا عليهم أن يبذلوا كل ما في وسعهم لضمان عدم إلحاق الأذى بالمدنيين والطواقم والمرافق الطبية.
وهذا واجب ينطبق بموجب القانون الدولي الإنساني على أطراف النزاع المسلح كافة، من الدول وغير الدول. وبالرغم من صعوبة الوضع الأمني تمكنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من مساعدة مئات الآلاف من العراقيين الأكثر حاجة. وظلت تعمل جنباً إلى جنب مع المنظمات المحلية لضمان حصول الناس في جميع أنحاء البلاد على المساعدة التي هم في أمس الحاجة إليها.

 

إنه من العسير جداً الحصول على إحصائيات دقيقة وشاملة عن حالة الخدمات العامة في العراق. فهذا التقرير يستند إلى استنتاجات وملاحظات خلص إليها موظفو اللجنة الدولية من خلال اتصالاتهم المنتظمة مع موظفي المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية ومرافق الماء والصرف الصحي والسلطات العامة والمنظمات الأخرى

 

عائلات مشردة

 

لقد تكبد أهل العراق خسائر فادحة بسبب عقود من النزاع منذ اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980. فتمزقت أوصال آلاف العائلات وحُرمت ممَّن يعيلها، ولها أقارب مرضى أو جرحى أو محتجزون أو اضطروا إلى الفرار من ديارهم للرحيل غالباً إلى منطقة أخرى أو لمغادرة البلاد تماماً. تحطمت حياة وأرزاق الكثيرين. أما الباقون فزادت حالة استضعافهم ويجدون صعوبات في مواجهة الوضع. والنساء هن الأكثر تضرراً بسبب الوضع.

 

جميلة حمامي، مندوبة البحث عن المفقودين باللجنة الدولية للعراق:" إن عدم معرفة ما حدث لزوج أو أب أو أخ في خضم الحرب مسألة قاسية على النساء. من جهة هؤلاء النساء في مجتمعهن لا هن زوجات ولا أرامل، وإنما شيئاً ما بين الأمرين. ومن جهة أخرى يصبحن كاسبات قوت أسرهن. واللجنة الدولية تدافع بالنيابة عن العائلات عن "حق المعرفة"، وعلى الدول واجب ا لكشف عمَّا جرى للمفقودين وإبلاغ أسرهم".

 

وتفيد مصادر عامة أن عدد المفقودين العراقيين خلال النزاعات من عام 1980 إلى 2003 يتراوح بين 375000 ومليون عراقي. ومنذ ذلك الحين اختفى عشرات الآلاف. وقد تعذر إطلاقاً تحديد هوية الكثير ممن قتلوا في العنف الجاري لأن المؤسسات الحكومية العراقية، مثل معهد الطب العدلي في بغداد،  لم تستلم سوى نسبة ضئيلة من الجثث.

 

 

أنشطة اللجنة الدولية في 2007 لفائدة أسر المفقودين

 

تسعى اللجنة الدولية جاهدة لمعرفة ما حدث للأشخاص المفقودين بسبب النزاع المسلح، وذلك بالتعاون مع السلطات.

 

ويشمل ذلك دعم جهود السلطات الرامية إلى وضع آلية لمعرفة ما حصل للأشخاص المفقودين نتيجة النزاع بين إيران والعراق. ففي 2007 ساعدت اللجنة الدولية في الكشف عن مصير 94 مفقوداً عراقياً.

 

كما استطاعت اللجنة الدولية توضيح مصير اثني عشر شخصاً مفقوداً منذ حرب الخليج عام 1990- 1991، وبذلك بلغ عدد الحالات التي حُسمت 293 حالة.

 

قدمت اللجنة الدولية المساعدة خلال عام 2007 إلى مرافق الطب العدلي التي تعالج الرفات البشرية فزودتها بالمعدات العدلية، (معدات المختبر التي تستخدم لفحص عينات الحمض النووي ومقارنتها بعينات أخذت من العائلات)، وكذلك بثلاجات عالية البرودة لحفظ عينات الحمض النووي تحت سبعين درجة مئوية ما دون الصفر. كذلك قامت اللجنة الدولية بأعمال الصيانة في مستودعات حفظ الجثث في خمسة مستشفيات.

 

يقبع في السجون حالياً عشرات الآلاف من العراقيين جميعهم تقريباً من الرجال، الذين يعيشون غالباً بعيداً عن ديارهم بعدما تركوا وراءهم أسراً تعيلها امرأة في معظم الحالات. ويعد معسكر "بوكا" الواقع في الجزء الجنوبي من البلاد بالقرب من البصرة والذي تديره القوات المتعددة الجنسايت بقيادة الولايات المتحدة في العراق، أكبر مكان للاحتجاز في العراق إذ يأوي أكثر من عشرين ألف سجين. وتأتي أسرهم من جميع أرجاء العراق لزيارتهم، خاصة من محافظتي الأنبار وبغداد. ومعظم الزائرين من النساء لأنه أضحى من الخطير جداً على الرجال التنقل بين المحافظات. فمن أجل لقاء لساعتين مع زوج أو أب أو أخ أو إبن يجازف الزائرون بأخذ أطفالهم معهم في رحلة محفوفة بالخطر تستغرق عدة أيام، بينما كانت تستغرق قبل الحرب بضع ساعات فقط. والكثيرون لا يقدرون على القيام بهذه الرحلة إلا بفضل الدعم المالي الذي تقدمه اللجنة الدولية.

 

زيارات  اللجنةالدولية  في 2007

 

تزور اللجنة الدولية بانتظام الأشخاص المحتجزين لدى القوات متعددة الجنسيات في العراق ولدى حكومة إقليم كردستان ووزارة العدل العراقية للاطلاع على أحوالهم المعيشية ومعاملتهم. وتتيح لهم فرصة تبادل الأخبار العائلية مع أقربائهم من خلال رسائل الصليب الأحمر.

 

ففي 2007 زارت اللجنة 21 مكانا للاحتجاز في جميع أنحاء البلاد يقبع فيها أكثر من 33500 سجين. وأجرى مندوبوها مقابلات على انفراد مع قرابة 5000 منهم. كما جرى تبادل ما يزيد على 76000 رسالة بين المحتجزين وعائلاتهم. وقد قامت اللجنة الدولية بجمع  وتوزيع الرسائل بالتعاون مع الهلال الأحمر العراقي.

 

بالإضافة إلى هذا قدمت اللجنة الدولية علاوة سفر لحوالي 31000 من أفراد العائلات الذين زاروا أكثر من 11600 سجين في معسكر "بوكا" ومركز الاحتجاز بمطار البصرة.

 

ربى(38)

"غادرت محافظة الأنبار مع أطفالي قبل سنتين تقريباً. وكان زوجي قد قتل أمام أعيننا. كان لابد لي أن أحمي أطفالي. هربنا في تلك الليلة بدون شيء سوى مبلغ مالي ضئيل. واليوم نسيت الماضي والمستقبل، وأعيش حاضراً مُراً. تمنيت لو كانت لدي بعض صور زوجي وأسرتي. أستطيع أن أرى كل شيء في مخيلتي لكنني لا أعلم إلى متى. كنا نجلس في وقت ما دائما معا لنتناول الغذاء ونضحك. واليوم نعيش مع أسرة ابن عمي في غرفة واحدة وعددنا اثني عشر نفراً. لا أريد حياتي السابقة من جديد لأنني أعرف أنها مستحيلة دون زوجي. كل ما أريده لأطفالي هو أن يذهبوا إلى المدرسة وينعموا بحياة طبيعية."

 

علي (13)

"قبل سنتين غادرت بيتنا في البصرة مع شقيقتي البالغة ثلاث سنوات من العمر وذهبنا لنقيم في بيت خالتي. قال والداي إن كل شيء على أحسن ما يرام وإنهما سوف يلتحقان بنا خلال أسبوع. أخذنا بعض الملابس وحملت أختي دميتها. انتظرنا اسابيع ولكن والداي لم يأتيا قط. فقالت لي خالتي إنني رجل الأسرة الآن وإنه يتعين علي أن أعتني بشقيقتي التي لا تعرف أن الوالدين توفيا وتسأل دائما متى سنعود إلى بيتنا. لكنني عندما أكبر سوف آخذها إلى منزلنا وأعتني بها."

 

 

أنشطة اللجنة الدولية للإغاثة في 2007

وزعت اللجنة الدولية عام  2007 مواد الإغاثة على النازحين داخل البلاد وعلى السكان. وجرى توزيع الإغاثة إما بواسطة اللجنة الدولية نفسها أو بالتعاون مع شركاء محليين عراقيين مثل الهلال الأحمر العراقي.

 

·        وزعت الأغذية ومواد أساسية أخرى على 140 ألف نازح و60 ألف من السكان المعوزين.

·        كذلك زودت اللجنة الدولية 16 فرعاً من فروع الهلال الأحمر بمواد الإغاثة كي توزع على نصف مليون من المستضعفين.

·        أفاد من مشاريع اللجنة الدولية الاقتصادية الصغيرة أكثر من 6000 أسرة محتاجة عبر أنحاء البلاد. وشملت هذه المشاريع توزيع الأسمدة والبذور وأدوات البستنة والمعدات والمشورة في مجال تربية النحل. كما شملت مشاريع أخرى إصلاح قنوات الري وصناعة قطع الإسمنت.

 

الرعاية الصحية في أزمة

 

بعد خمس سنوات على بداية الحرب مازال الكثير من العراقيين يفتقرون إلى الرعاية الصحية الأساسية. فهناك قلة من الموظفين المؤهلين وغالباً ما تحتاج العديد من المستشفيات ومراكز الصحة للصيانة الملائمة.

 

ونظراً لسوء الأحوال الأمنية في معظم أرجاء العراق فإن المرضى والجرحى غالباً ما يحرمون من الرعاية الطبية. وفي بعض المناطق بات من الصعب جداً تقديم خدمات الطوارىء الطبية أو الإمدادات أو المعدات الطبية بسبب عدد نقاط السيطرة والتفتيش على الطرقات وحضر التجوال الذي يقيد الحركة.

 

"باسكال أوليه"، منسق الصحة باللجنة الدولية للعراق:"يخالج العراقيين شعور بالارتياب واليأس من الخدمات المقدمة لهم.  وقد يكون من الخطر على الناس التأقلم مع الخدمات الصحية الحالية التي هي دون المستوى المطلوب. وتحاول سلطات الصحة تصحيح الوضع إلا أن ذلك سوف يستغرق وقتاً طويلاً نظراً لشح الموارد وسوء الوضع الأمني."

 

يذهب بعض الناس إلى العيادات الخاصة التي هي آمنة ولكنها أغلى في الوقت ذاته، حتى أن شريحة عريضة من السكان لا تملك إمكانيات العلاج فيها. فالاستشارة الطبية في القطاع الخاص تكلف عادة بين دولارين وسبعة دولارات، وذلك حسب نوعية الخدمة. وليس من الواضح أبداً كيف يمكن لأشخاص يتقاضون أقل من خمسة دولارات في اليوم أن يدفعوا مثل هذا المبلغ.

 

غالباً ما تفتقر المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية إلى الأدوية والمواد الأساسية الأخرى. وليس ثمة ما يكفي من غرف الطوارىء العاملة وغرف العمليات الجراحية لاستيعاب عدد الجرحى المرتفع. فهناك حالياً 172 مستشفى عاماً تضم 30 ألف سرير، وهو أقل بكثير من الثمانين ألف سرير المطلوبة، فضلا عن 65 مستشفى خاصاً. بنيت معظم المستشفيات قبل ثلاثين سنة وهي الآن في حالة دون المستوى. وينسحب هذا أيضاً على العديد من مراكز الرعاية الصحية الأولية التي ظلت تستخدم نفس المعدات خلال خمس وعشرين سنة. إن المرافق والمعدات الطبية تحتاج إلى الإصلاح والترميم المنتظم في جميع أنحاء البلاد باستثناء الجزء الشمالي. وقد أضحى من المستحيل القيام بالصيانة المناسبة بسبب الوضع الأمني المتردي.

 

الدكتور إبراهيم (اسم مستعار) هو طبيب يعمل مع اللجنة الدولية في بغداد ومحافظات الوسط: "أنا كمواطن عراقي وطبيب أعرف معنى شح الخدمات الطبية. كانت الخدمات الطبية تعطى مجاناً في 2000 و2001، ومازالت لكن هذه الخدمات أصبحت قليلة لأسباب عديدة منها ضآلة الموظفين المتخصصين والمعدات الطبية."

 

"أعيش في بغداد مع والدتي التي تبلغ سبعين عاماً من العمر والتي تتمتع بصحة جيدة نسبياً. لإنقاذ حياتها وفي حالة ارتفاع في ضغط الدم مثلا أو نوبة قلبية، هناك سيناريوهين اثنين ممكنين. إذا حدث لها مكروه أثناء الليل يكون من الصعب جداً نقلها إلى المستشفى بسبب حضر التجوال. قد تأتي سيارة إسعاف من المستشفى ولكن الآوان قد يكون فات. وإذا حدث لها مكروه أثناء النهار يكون من الصعب الوصول إلى المستشفى في الوقت المناسب وذلك نظراً للازدحام في حركة المرور والطرقات المسدودة."

 

"أما بالنسبة للأمراض المزمنة فالحالة أصعب بكثير. هناك حفنة من المستشفيات المتخصصة في بغداد وقلة من الأطباء المتخصصين.  ولعلاج السرطان مثلاً بالإمكان اللجوء إلى الجراحة داخل العراق ولكن دون المعالجة بالمواد الكيميائية، التي هي جزء حاسم من العلاج." وهذا يعني  أن على ذوي الإمكانيات طلب العلاج خارج البلاد."

 

لقد كان لقلة الطاقم الطبي المؤهل الذي يتحلى بالخبرة لاسيما في محافظات النجف وميسان والأنبار وواسط وبابل، أثر مباشر على مستوى الرعاية المتاحة. فعلا سبيل المثال تؤدي قلة القابلات بالكثير من النساء اللواتي يضعن أثناء الليل أن يفعلن ذلك دون مساعدة نظراً إلى أن سوء الوضع الأمني وحضر التجوال يمنعانهن من الذهاب إلى المستشفى. فالأطباء والممرضون وعائلاتهم يواجهون خطر الخطف أو القتل شأنهم شأن الكثير من العراقيين الآخرين. وقد تلقى البعض منهم تهديدات. وتفيد مصادر عراقية رسمية أن أكثر من 2200 طبيب وممرض قتلوا كما خطف ما يزيد عن 250 منذ عام 2003. ومن بين الأطباء المسجلين عام 1990 والبالغ عددهم 34 ألف طبيب غادر البلاد ما لا يقل عن 20 ألف.

 

إن نظام الرعاية الطبية العراقي هو الآن أسوأ حال من أي وقت مضى. فقد زهقت الكثير من الأرواح بسبب قلة الرعاية الطبية العاجلة والملائمة. ولابد من بذل المزيد لضمان استفادة جميع العراقيين من خدمات صحية أفضل. كما ينبغي حماية الطواقم والمرافق الطبية التي تعمل فيها حماية أفضل ضد آثار الحرب. ويجب أيضاً تكثيف الجهود ليس فقط لصيانة وترميم المرافق الطبية بل أيضاً لتطوير مهارات الطاقم الطبي وقدراته.

 

انحطاط نظام الرعاية الصحية العراقي

 

بدأ نظام الرعاية الصحية العراقي يتدهور قبل عام 2003 بفترة طويلة جراء سنوات العقوبات والنزاعات المسلحة المتكررة، مما أثر على مجالات مثل الرعاية الوقائية والعلاجية والتغذية والتعليم الصحي.

 

هذا ويعزى تدهور حالة مرافق الرعاية الصحية منذ عام 1980جزئيا إلى الإخفاق في توفير ما يكفي من المرافق لمواكبة النمو السكاني. وقد أدت العقوبات التي فرضت بعد عام 1990 بنظام الرعاية الصحية العراقي إلى التركيز على خدمات الطوارىء على حساب علاج الأمراض المزمنة وبرامج الصحة العامة وصيانة البنية التحتية وتدريب الطواقم الطبية.

 

دعم اللجنة الدولية للخدمات الطبية في 2007

 

تدعم اللجنة الدولية خدمات الطوارىء الطبية بترميم المرافق والإمداد بمعدات الجراحة والإمدادات الطبية الأخرى. كما تستجيب للإصابات العديدة بتقديم مساعدات الطوارىء للمستشفيات التي تعالج الجرحى.

 

ففي 2007 زودت اللجنة الدولية 28 مستشفى بإمدادات طبية وأدوية تكفي لعلاج أكثر من 5000 جريح بسبب الحرب. كما قدمت معدات لحوالي 70 غرفة للطوارىء و30 غرفة للعمليات. ووزعت إمدادات طبية شملت مواد التخدير والضماد والحقن على أكثر من 80 مستشفى و12 مركزاً للرعاية الصحية الأولية.

 

كذلك عملت اللجنة الدولية على إصلاح وترميم المنشآت الكهربائية والميكانيكية ومرافق الماء والصرف الصحي، بما في ذلك نظم المجاري و صرف المياه في المستشفيات ومراكز الراعية الصحية الأولية. علاوة على ذلك شيدت اللجنة الدولية ثلاثة مراكز جديدة للرعاية الصحية الأولية.

 

الماء: مازال قليلاً ومن نوعية سيئة

 

يضطر الكثير من العراقيين إلى الاعتماد على مصادر مائية غير صحية. وما يزيد من تفاقم أثر النمو السكاني وارتفاع الأسعار وسوء الظروف الأمنية هو قلة الفرق المؤهلة اللازمة لصيانة وتصليح مرافق الماء والصرف الصحي. وفي حين زادت الاحتياجات أصاب الانهيار هذه المرافق فعلياً في بعض أجزاء العراق. ولم تنج من ذلك حتى المناطق التي تحسن فيها الأمن، لأن تدفق النازحين زاد العبء على الخدمات المحدودة المتاحة. فقد زاد الوضع سوءاً بشكل مطرد خلال العام الماضي ما عدا في بعض المناطق في الجنوب والشمال حيث ارتفع إنتاج الماء الصالح للشرب.

 

ونتيجة لذلك لم يعد بإمكان العديد من العراقيين الاعتماد على الخدمات العامة للحصول على الماء النقي. ولمَّا تم التخلي على الكثير من الناس، لا سميا الأكثر عوزاً، فإنهم يناضلون من أجل اقتناء ما يحتاجون إليه. ويبلغ الراتب الشهري في المتوسط في العراق الآن حوالي 150 دولاراً أمريكياً. ونظراً إلى أن سعر الماء الصالح للشرب هو دولار واحد تقريباً لعشرة لترات فإن كل أسرة تنفق على الأقل 50 دولاراً في الشهر على الماء وحده.

 

وتعزي اللجنة الدولية كمية الماء غير الكافية والمعالجة غير الملائمة له والتخلص من مياه المجاري إلى عدم صيانة البنية التحتية القائمة وقلة المهندسين والعمال المكانيكيين وسوء استخدام المعدات أو تعطلها.

 

وترجع رداءة نوعية كميات كبيرة من الماء إلى عوامل أخرى منها التهريب غير القانوني للإمدادات المائية وشبكات الأنابيب القديمة التي لا تحمي تماماً ضد التلوث والانقطاعات المتكررة في الإمداد بالمواد الكيميائية اللازمة لمعالجة وتطهير الماء. بالإضافة إلى ذلك غالباً ما لا تعمل محطات معالجة المياه على نحو ملائم بسبب تعطل المعدات والإمداد الكهربائي غير المنتظم.

 

أحمد (اسم مستعار)، مهندس المياه يعمل مع اللجنة الدولية في البصرة :"معظم الناس يضخون الماء أثناء الليل مباشرة من شبكة المياه مما يؤدي إلى انخفاض ضغط الماء إلى أدنى مستوى بحيث يتعذر وصوله إلى كل المناطق التي يفترض أن تغطيها الشبكة. علاوة على هذا، يضخ الناس أحياناً ماء المجاري وبالتالي يلوثون صهاريج الماء الموجودة في منازلهم. وحتى وإن توفرت لبعض العائلات مضخات، فغالباً ما يتعذر تشغيلها بسبب انعدام الوقود."

 

إن مادة كلورين ضرورية لتعقيم الماء الصالح للشرب. لكن ونظراً إلى أنه من الممكن استخدامها لصنع القنابل أو أسلحة أخرى، فإن توزيعها مقيد. فالكثير من الناس، لا سيما في أجزاء من بغداد وصلاح الدين وديالى ونينوى، لا يملكون أي بديل آخر سوى ضخ الماء غير المعالج مباشرة من الأنهار أو الآبار.

 

قلة الصحة أمر ينذر بالخطر. فنظم الصرف الصحي تدهورت إلى درجة أن هناك خطر حقيقي يحدق بتلوث ماء الشرب بمياه المجاري غير المعالجة، وهو ما يشكل دون شك خطراً على الصحة. فتفشي الكوليرا في 2007 هو إشارة على الخطر الوشيك الذي يواجهه العراقيون اليوم. وقد اتخذت السلطات والمنظمات الإنسانية إجراءات لاحتواء انتشار المرض، إلا أن الوضع سوف يزيد تدهوراً إذا لم تتم صيانة البنية التحتية على نحو ملائم وتوعية عامة الناس بخطر استهلاك الماء غير المأمون.

 

أنشطة اللجنة الدولية خلال تفشي الكوليرا عام 2007

قدمت اللجنة الدولية في أيلول/سبتمبر 2007 الدعم إلى السلطات العراقية في جهودها الرامية إلى مراقبة تفشي الكوليرا وذلك بمنحها إمدادات التطهير في المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية ومحطات معالجة الماء والمباني العامة الأخرى، بما فيها المدارس والمساجد. كما وزعت اللجنة الدولية 100 طن من الإمدادات الطبية على المستشفيات في المناطق المتضررة للمساعدة في مكافحة المرض.

 

ما زال الكثير من العراقيين متضررين بسبب انقطاع الطاقة المتكرر والإمداد الكهربائي غير المنتظم. يقول أبو سامر من بغداد:" من المستحيل العيش بدون كهرباء خلال موسم الصيف. أتقاضى 150 دولاراً أمريكياً في الشهر وأدفع على الأقل 50 دولاراً للحصول على الكهرباء لمدة ست ساعات في اليوم من مولد كهربائي خاص. وأدفع أيضاً سعر ماء الشرب. ففي مرحلة ما سوف تغدو حياة أسرتي مستحيلة." لكن حتى الذين لديهم دخل كافٍ يواجهون مشاكل. يقول إبراهيم قاسم من الرمادي:"أحياناً أضطر إلى الوقوف في طوابير يوماً بأكمله لشراء عشرين لتراً من الوقود. لكن الوقوف في الطوابير محفوف بالمخاطر، إذ لا يمكن للمرء أن يتنبأ بوقوع انفجار."

 

تدهورت شبكة الإمداد بالكهرباء خلال العام المنصرم، ما عدا في محافظات الشمال ومحافظتي بابل وذي قار. ونتيجة لذلك أغلقت تماماً العديد من محطات معالجة المياه أو أصبحت تعمل بطاقة مخفَّضة. وهناك مناطق في بغداد تبلغ فيها درجة الحرارة خلال الصيف  50 درجة مئوية ومع ذلك لا تتلقى غالباً سوى ساعة واحدة من الكهرباء في اليوم. والوضع لا يختلف عن ذلك في محافظة الأنبار. وترجع هذه الأزمة إلى سوء الصيانة وقلة إمدادات الوقود المكرر واستخدام الوقود الثقيل بدلا من الغاز الطبيعي في محطات تربينة الغاز وأعمال التخريب وأخيراً وليس آخراً،